المجلات العلمية واللغة العربية

بلال الأرفه لي 16 Mar, 2022

بلال الأرفه لي

16 Mar, 2022

بلال الأرفه لي 16 مارس 2022

بلال الأرفه لي

16 مارس 2022

هل يفضل الباحثون الذين ينتجون الأبحاث العلمية والدراسات العربية نشرها باللغة الإنجليزية وماذا يعني تغريب المرجعية العربية لهذه الأبحاث والدراسات؟ يرى الباحث والأكاديمي اللبناني د. بلال أورفلي أن ذلك أخطر من استعمارها. نستضيف د. أورفلي في رؤى مجرة ليناقش موضوعاً مهماً وشيّقاً في قطاعنا حول المجلات العلمية واللغة العربية، وأسباب تفضيل الباحثين العرب النشر بالإنجليزية وخطورة ذلك على البحث العلمي في العالم العربي وأيضاً بدء إصلاحه بوجود عمل مؤسساتي مُنظّم يرعى إصدار المجلّات العلمية باللغة العربية.

"تُتَّهم المجلّات العلميّة العربيّة المعاصرة – ما خلا بعض الاستثناءات طبعًا – بضعف مستوى المقالات التي تنشرها، وبأنّها تكرّر المعرفة نفسها دون أن تُساهم في تقدُّم الحقل الذي تدرسه. وتوصَف أيضًا بأنّها محلّيّة الطابع ومحدودة القرّاء وقاصرةٌ عن مواكبة الدراسات المستجدّة والمعايير المستحدثة في التوثيق والترجمة وغير ذلك."

لمن تكون المرجعية؟

منذ عقدين تقريبًا، كتبت الدكتورة وداد القاضي – أستاذة الدراسات الإسلاميّة في جامعة شيكاغو – في مجلّة التسامح عن وجود فريقينِ كبيرينِ من العاملين في حقل الدراسات العربيّة والإسلاميّة: (1) فريقٌ "إسلاميّ" في الشرق وتمثّله الجامعات العربيّة؛ (2) وفريقٌ "غير إسلاميّ" في الغرب وتمثّله الجامعات في أوروبا وأميركا. وكلٌّ من هذينِ الفريقينِ يدّعي المرجعيّةَ – وهي نوعٌ من أنواع السلطة – في الحقل وينتقص من دور الفريق الآخر وأهمّيّته. تحدّثت القاضي عن خطورة هذه الازدواجيّة المرجعيّة ودعت إلى دمج الفريقينِ وتوحيد جهودهما ليستمرّ الحقل فاعلًا في مجال البحث العلميّ في الحضارة العالميّة الحديثة. أمّا اليوم فنحن أمام واقعٍ مغاير تمامًا، فالكثير من الباحثين العرب المشتغلين بالدراسات العربيّة والإسلاميّة قد تلقّوا شهاداتهم العليا في الغرب، وسواءٌ عملوا في الجامعات العربيّة أم الغربيّة فإنّهم يفضّلون النشر بلغةٍ عالميّة غير العربيّة لأسبابٍ عدّة يلي تفصيلها. ولذلك فإنّ الأزمة اليوم في رأينا لم تعد في ازدواجيّة المرجعيّة بل في تغريبها أو – وهو أخطر من ذلك – استعمارها، وإنّ بداية التغيير تكمن في عملٍ مؤسّساتيّ منظّم يرعى إصدار المجلّات العلميّة باللغة العربيّة.

أهمية إصدار المجلات العلمية باللغة العربية

يرتبط النشر بمشاركة الإنتاج المعرفي وتداوله، لكنه أيضًا بات يرتبط بترسيخ فاعليّة باحثٍ ما في الحقل، وبترقية الأساتذة الجامعيّين أو ترشيح أحدهم لمنصبٍ معيّن. وإنّ الإنتاج المعرفيّ الخاصّ بشؤون اللغة العربيّة يحضر في السنوات الأخيرة بقوةٍ في اللغات العالميّة على حساب اللغة العربيّة، وذلك أنّ الباحثين العرب يميلون إلى النشر بلغةٍ أخرى غير لغتهم الأمّ (غالبًا الإنجليزيّة) طلبًا للوصول إلى قاعدة جمهورٍ أوسع، فضلًا عن ندرة وجود المجلّات العربيّة المحكّمة. وإن أُتيحت لهم فرصة النشر في مجلّةٍ عربية محكّمة، فإنّ المقال لن يُدرَج ضمن قواعد البيانات (databases) ومحرّكات البحث العالميّة (search engines)، الأمر الذي يجعل تقييم المقال وتقديره صعبًا، لا سيّما لدى اللجان الخاصّة بالترقيات الجامعيّة. 


وينتج عن هذا الوضع ما لم يتمّ تداركه أربعة تهديدات: (1) محدوديّة إنتاج المعرفة الأكاديميّة باللغة العربيّة، وصعوبة اطّلاع القرّاء العرب على مستجدّات الحقل؛ (2) حصر اللغة العربيّة بالكتابة الأدبيّة الإبداعيّة وتحويلها إلى موضوعٍ للدراسة بدلًا من أن تكون لغةً لكتابة البحث العلميّ؛ (3) قصورٌ في الأدوات اللغويّة والتقنيّة اللازمة لتخطّي الفجوة المعرفيّة المتزايدة بين البلدان العربيّة والغربيّة؛ (4) هجرة الدراسات العربيّة والإسلاميّة إلى خارج محيطها الثقافيّ والفكريّ واللغويّ والتاريخيّ، الأمر الذي يرسّخ المركزيّة الأوروبيّة-الأميركيّة في الحقل، ويُبقي المعارف والخبرات وجمهور القراءة محصورًا في الغرب.


إنّ عبور الدراسات العربيّة عن طريق لغاتٍ أخرى إلى العالميّة أمرٌ ضروريّ ومحمود، فهو يُفسح مساحة نقديّة وإبداعيّة ضروريّة في الأدب، ويُشرك قضايا العربيّة لغةً وحضارةً وأدبًا وفكرًا في المناظرات الفكريّة العالميّة، ويُسهم في تعزيز حضورها ضمن الدراسات المقارنة والعابرة للثقافات. فالحضارة العربيّة في نهاية المطاف جزءٌ من الحضارة الإنسانيّة الكبرى، ولا يمكن لفريقٍ أن يدّعي احتكارها دون الآخر. أمّا "الهيمنة" غير العربيّة على حقل الدراسات فهي التي تثير القلق، وإنّ أولى الخطوات لاسترجاع المرجعيّة العلميّة هي زيادة عدد المجلّات العربيّة المحكّمة التي تصدر عن مؤسّساتٍ تربويّة أو فكريّة (وفي طليعتها الجامعات). ولا ينبغي أن تقوم هذه المجلّات على جهودٍ فرديّة متفرّقة كأن تتّكئ على باحثٍ أو باحثين لامعين في الحقل ثمّ تندثر بعد رحيلهم، بل يجب أن تصدر عن عملٍ مؤسّساتيّ جماعيّ منظّم يضمن استمرارها ونموّها وموضوعيّتها.


تنشر هذه المجلاتُ المقالاتِ – أو ما يُعرف بالأبحاث العلميّة القصيرة – التي توفّر وسيطًا سريعًا لتبادل النتائج العلميّة الجديدة دون الحاجة إلى انتظار سنوات حتّى تصدر النتائج في كتاب. وترد نصوص المقالات باللغة العربيّة مع ترجمةٍ لعنوان المقال ومستخلصه والكلمات المفتاحيّة، وذلك ليسهل وقوع القرّاء عليها في محرّكات البحث العالميّة، وهو ما يسمح للباحثين في الغرب بالاطّلاع على العمل البحثيّ في الجامعات العربيّة المغيَّب عنهم عادةً. وتنشر المجلّات فضلًا عن المقالات العربيّة ترجماتٍ لمقالات أكاديميّة قيّمة لتكون جسرًا ثقافيًّا مُثريًا لجمهور متعطّش وحريص على القراءة بالعربيّة.


وإنّ هذه الحركة التفاعلية بنقل النتاج المعرفيّ من العربيّة وإليها هي التي تضمن تجدُّد الحقل وإعادة تشكّله على الدوام. علاوةً على ذلك، تنشر المجلّات مراجعاتٍ علميّة لأبرز الكتب التي صدرت حديثًا في حقل الدراسات العربيّة والإسلامية وفيها توصيفٌ لتلك الكتب وأهمّ مخرجاتها وتقييمها. وقد تتضمّن المجلّات كذلك تقارير عن الحركة الأكاديميّة في العالم العربيّ مثل ورش العمل والمؤتمرات والمشاريع البحثيّة في الجامعات. وإنّ هذا التنوّع والاتّساع في المضمون حقيقٌ ببناء أفقٍ معرفيّ للباحثين في العربيّة، وبإثراء الحقل بالدراسات الجادّة والتجديديّة.


تُتَّهم المجلّات العلميّة العربيّة المعاصرة – ما خلا بعض الاستثناءات طبعًا – بضعف مستوى المقالات التي تنشرها، وبأنّها تكرّر المعرفة نفسها دون أن تُساهم في تقدُّم الحقل الذي تدرسه. وتوصَف أيضًا بأنّها محلّيّة الطابع ومحدودة القرّاء وقاصرةٌ عن مواكبة الدراسات المستجدّة والمعايير المستحدثة في التوثيق والترجمة وغير ذلك. ولهذا فإنّ إصدار مجلّاتٍ جديدة عربيّة محكّمة يُشترط فيه أمران: وجود لجنةٍ استشاريّة إلى جانب اللجنة التحريريّة، ونظام تحكيم سرّي. تضمّ اللجنة الاستشاريّة ما بين عشرة باحثين وخمسة عشر باحثًا مرموقًا يُراعى في اختيارهم تنوّع الجامعات والبلدان حرصًا على نظرةٍ أكثر شموليّة.


وتكتسب المجلّة موثوقيّتها من أهمّيّة هؤلاء الباحثين وسمعتهم الأكاديميّة، وتستأنس في الوقت عينه بآرائهم في اتّخاذ القرارات وتحكيم المقالات، أو غير ذلك. أمّا نظام التحكيم السرّيّ فهو عاملٌ أساسٌ في ضمان جودة المحتوى الأكاديميّ بالعربيّة. ويُعتمد فيه عادةً حجب هويّة الباحث عن المحكّمين، وفي المقابل حجب هويّة المحكّمين عن الباحث، فتضمن المجلّة بذلك اختيار المقالات استنادًا إلى جودتها لا بسبب تدخّل جهاتٍ مختلفة تحكم بالاستنسابيّة والمحاباة أو غيرها من الأسس اللاموضوعيّة.


ويوصى في المجلّات العلميّة أيضًا اعتماد نظام الإتاحة المفتوحة (open access online) لأنّ عدم وجودها على المنصّات الإلكترونيّة يجعل أثرها محدودًا جدًّا، ومعدومًا بعد توقّف المجلّة عن الصدور. إنّ وجود المقالات ضمن محرّكات البحث العالميّة (JSTOR, Scopus, Index Islamicus,…) يمكِّن الباحثين – الأساتذة والطلّاب – في كافّة أنحاء العالم من الإفادة أو الاقتباس منها، وذلك عن طريق البحث عن كلماتٍ مفتاحيّة ذات صلة بكلّ مقال. يساعد النشر المفتوح على تعزيز حضور المجلّة وإذاعة اسمها في الأوساط الثقافيّة والأكاديميّة، ولكنّه في المقابل يُفقِدها قدرتها على تحقيق الأرباح وتغطية التكاليف، ولذلك فهي بحاجة إلى مؤسّساتٍ راعية تقدّم الدعم اللازم على الدوام.


تصطدم مسألة النشر باللغة العربيّة عادةً بعقبة "المصطلح"، فالكثير من المصطلحات العلميّة والتقنيّة المستعملة لم يُترجَم بعد إلى العربيّة. فضلًا عن ذلك، نشأ بعض الحقول المعرفيّة الفرعيّة (مثل دراسة البرديّات والنظريّة الأدبيّة وغيرهما) في الغرب وصيغت مفرداته الخاصّة بلغةٍ غير عربيّة. لكنّنا نرى في المجلّات العربيّة المحكّمة فرصةً ذهبيّةً لتذليل عقبة "المصطلح" وتجاوزها مع الوقت، فالمقالات العربيّة ستحفّز حركة التعريب والترجمة، وتساعد في تثبيت المصطلحات الجديدة بانتشارها. وبهذا تكون المجلّات مرتكزًا أساسيًّا في عمليّة تحديث القواميس العربيّة وإمدادها بما استُجدّ تأكيدًا على حيويّة اللغة وقدرتها على النموّ.


قاعدة البيانات العربية للمجلات العلمية

تُعَدّ الدول العربيّة من بين الدول القليلة التي لا تحظى بظهورٍ عالميّ ضمن قواعد البيانات الإلكترونية. ورغم وجود مجلّات عربيّة قليلة تنشر باللغة الإنجليزيّة مسجّلة في قواعد بيانات عالميّة، فإنّ الغالبيّة العظمى من المساهمات الفكريّة العربيّة تبقى غير متداولة. ولا يخفى أنّ إتاحة الإنتاج المعرفيّ العلميّ العربيّ في قاعدة بيانات موسّعة وشاملة ودقيقة أمر مهمّ ليقع العرب موقعهم الذي يستحقّون في مجال البحث العلميّ، ولِتُشارك أفكارهم وآراؤهم وتطلّعاتهم في تشكيل وجهة الدراسات العلميّة والإنسانيّة وصناعة المستقبل. وإنّ إنشاء قاعدة بيانات للمجلّات العلميّة تحديدًا باللغة العربيّة يدعم تلك المجلّات ويضمن انتشارها ويحقّق الأهداف المرسومة لها.


إنّ غياب مثل هذه القاعدة للبيانات يولّد مشاكل بحثيّة ضمن العالم العربيّ نفسه، منها حرمان البحث العربيّ من تراكميّة المعرفة، وصعوبة مدّ جسور أكاديميّة بين المناطق الجغرافيّة المختلفة، وغياب المعايير العلميّة التي تحكم الحياة الأكاديميّة العربيّة. وقد حان الوقت لتصحيح هذا الوضع بإنشاء قاعدة البيانات وجعلها مفتوحة/متاحة عبر الشبكة الإلكترونيّة (open access). ستضمّ هذه القاعدة المجلّاتِ المحكّمة التي تصدر في الدول العربيّة في شتى فروع المعرفة، والمجلّات التي تصدر في الدول الأجنبيّة وتُعنى بشؤون اللغة العربيّة وشؤون الحضارة العربيّة-الإسلاميّة.


لقد لجأ بعض المواقع الإلكترونيّة، وفي ظلّ غياب أو عدم تطبيق قوانين الملكيّة الفكريّة في العالم العربيّ إلى قرصنة العديد من الدوريّات العربيّة ووضع محتواها كاملًا على الإنترنت. وإنّ المحاولات السابقة لإنشاء قاعدة بياناتٍ موثوقة لم تَفِ بالغرض المطلوب – على أهمّيّتها – إمّا لأنّها غير شاملة أو لأنّها لا تتّبع معايير علميّة ولا تعتني بالفهرسة. من هنا، فإنّ قاعدة البيانات المرجوّة تراعي مواصفات ومعايير تتّسق مع ما تعمل به قواعد البيانات العالميّة المعروفة وبالطريقة التي تضمن الأداء السليم والفعّال. ولذلك يمكن الاستعانة بالشركات العالميّة المتخصّصة لتجهيز البنية التحتيّة وتصميم قاعدة البيانات وفق شروطٍ محدّدة لتحتوي على جميع العناصر والأدوات اللازمة التي تمكِّن الباحثين من الوصول إلى المصادر التي يحتاجونها.


تتّسم عمليّات البحث في قاعدة البيانات بخصائص تطوِّع المحتوى الأكاديميّ وتيسّر الإفادة منه، منها: الاطّلاع على البيانات الكاملة للمقالة المراجَعة بما يسهّل عمليّة توثيقها؛ إمكانيّة تحديد البحث ليشمل المؤلّف والتاريخ والموضوع والتحديثات؛ إمكانيّة فرز نتائج البحث وفق التاريخ والعلاقة والمؤلّف أو المؤلّفين والمصدر والعنوان وأسماء المستشهدين؛ إمكانيّة استرجاع الاستشهادات المستبعدة من النتائج استنادًا إلى معايير محدّدة؛ إمكانيّة طباعة جميع الاستشهادات أو بعضها وأيضًا إرسالها عن طريق البريد الإلكترونيّ.


تُعَدُّ قاعدة بيانات المجلات العربية مشروعًا ضخمًا وطموحًا يتطلّب إنجازه عدّة سنوات، ولا يتوقّف تحديثه لاستمرار عمليّة النشر. ولذلك فهو يحتاج إلى جانب الموارد المادّيّة مواردَ بشريّة كبيرة تعمل دون انقطاع على مدار الساعة. فمن مسؤوليّة قاعدة البيانات أن تجري مسحًا كاملًا ومستمرًّا للمجلّات العربيّة وأن تجمع كافّة البيانات عنها من مكتبات الجامعات والمحرّرين والمكتبات الوطنيّة والهيئات العلميّة وأيّ مصادر أخرى متوفّرة. وهي تسعى أيضًا ممثّلةً بمجلس إدارتها وفريقها الفنّيّ إلى تحديد معايير ضمان الجودة والمستويات العالية للمجلّات العلميّة التي تُدرَج فيها، وتقديم المشورة والدعم الفنّيّ اللازمينِ لتلك المجلّات كي تستمرّ في تحقيق ذلك.


إنّ دعوتنا إلى إصدار مجلاتٍ عربيّة محكّمة وإتباعها بإنشاء قاعدة بياناتٍ لها باللغة العربيّة تحقّق نقلةً نوعيّة في الخطاب العالميّ مع اللغة العربيّة، وانتشارًا واسعًا يُكسب حقولها المعرفيّة مزيدًا من الاطّلاع والتقدير المحقّ. وهي كذلك سياسةٌ ناجحة لتفعيل الحركة الثقافيّة في العالم العربيّ في أكثر من وسطٍ أكاديميّ كالمدارس والجامعات ودور النشر والمؤسّسات البحثيّة، الأمر الذي من شأنه أن يرتقي بالإنتاج المعرفيّ ليُشارك في صناعة عقل القارئ العربيّ ووجدانه، ويشكّل مع الوقت وعيًا جماعيًّا لأبناء اللغة الواحدة. إنّ تعويلَنا إنّما هو على العلم والمعرفة لبناء الإنسان، وهو التعويل الذي لم يخفق قبلُ في التجارب السابقة.


"تُعَدّ الدول العربيّة من بين الدول القليلة التي لا تحظى بظهورٍ عالميّ ضمن قواعد البيانات الإلكترونيّة. ورغم وجود مجلّات عربيّة قليلة تنشر باللغة الإنجليزيّة مسجّلة في قواعد بيانات عالميّة، فإنّ الغالبيّة العظمى من المساهمات الفكريّة العربيّة تبقى غير متداولة."

تشكيل الخطاب العالميّ بالعربيّة

ختامًا، وبالعودة إلى ما بدأنا به المقال، فإنّ التوجّه العالميّ اليوم يقضي برفع الاستعمار عن المعرفة والاحتفاء بالأدب العالميّ. ولذلك فإنّ استرجاع المرجعيّة العلميّة في حقل الدراسات العربيّة والإسلاميّة ما هو إلّا الخطوة الأولى، أمّا الخطوة الثانية فهي دراسة الآداب والحضارات الغربيّة باللغة العربيّة. لقد جرت العادة أنّ الباحثين في الغرب يدرسون الشرق ولغاته وحضاراته – وبلغاتهم هم –، ولكن من يدرس الغرب وبأيّة لغة؟ إنّ اللغة العربيّة مهيّأة لهذا الدور لأنّ الكثير من الشعوب في العالم تعدّها لغةً دينيّة، ولهذا تدرسها وتتقنها، وهو ما يجعلها جديرةً بتشكيل الخطاب العالميّ عن حضارات معيّنة أكثر من لغات أخرى عالميّة أقلّ انتشارًا. سيؤدّي ذلك مع الوقت إلى كسر هيمنة اللغة الإنجليزيّة على الحقل المعرفيّ، وكسر هيمنة الثقافة الأوروبيّة-الأميركيّة على أنّها ثقافةٌ تدرس الآخرين ولا أحد يدرسها، وإن دُرست فعلى أنّها الثقافة المهيمنة غالبًا. إنّ إصدار مجلّاتٍ علميّة عربيّة تختصّ بشقٍّ من الحضارات الغربيّة أو آدابها سيكتب مستقبلًا جديدًا للدراسات، ولا يجدر بنا أن نحرم العربيّة من دورٍ رياديّ بمقدورها القيام به.

ساهمت لينا جمّال في كتابة هذا المقال. وهي حاصلة على درجة الدكتوراه في اللغة العربية ولغات الشرق الأدنى من الجامعة الأميركية في بيروت (2020). وتخصصت في الأحلام وتأويلها في الثقافة العربية الإسلامية فيما قبل العصر الحديث. 

بلال الأرفه لي

باحث وأكاديمي لبناني

بلال الأرفه لي باحث وأكاديمي لبناني، أستاذ كرسي الشيخ زايد للدراسات العربيّة والإسلاميّة ورئيس دائرة العربيّة ولغات الشرق الأدنى في الجامعة الأميركيّة في بيروت.