إعداد معلّمي اللغة العربية: إعداد الملهمين في حياتنا

هنادا طه تامير 16 Mar, 2022

هنادا طه تامير

16 Mar, 2022

هنادا طه تامير 16 مارس 2022

هنادا طه تامير

16 مارس 2022

في ظل انتشار اللغة الإنجليزية الكبير على الإنترنت وفي الصناعات المختلفة وسهولة الوصول إلى مصادرها، أصبح موضوع تعليم اللغة العربية للأطفال محط اهتمام من الشركات الناشئة والحكومات على حد سواء، فتم إطلاق الكثير من التطبيقات والمواقع الإلكترونية وحسابات التواصل الاجتماعي والبرامج التعليمية والترفيهية والمبادرات الحكومية. إلا أن أستاذة اللغة العربية د. هنادا طه تامير، ترى أن الأساس هو معلّم اللغة العربية وتناقش أهمية إعداد معلمين متمكنين، وتتوسع في آليات إعداد مُعلمي اللغة العربية وأفضل السبل لاختيارهم حتى يتمكنوا من تقديم أفضل قيمة علمية للطلاب تؤثر على تعاملهم وفهمهم للغة العربية، وانجذابهم لها.

"أهمية إعداد معلّمين أفذاذ في اللغة العربية تفوق بمراحل أهمية إعداد المهندسين والأطباء. فالمعلّم السيّء قادر وحده على أن يكسر قلوب الأطفال وأن يجعل الغبار تكسو عقولهم."

تخيّلوا معي هذا المشهد: تخرّجت سلمى من المدرسة الثانوية بمعدّل منخفض. كانت تحلم بأن تدخل كليّة التجارة، ولكنّ معدّلها لم يسمح لها بذلك. ولم يفتح أمامها إلا مجالات قليلة في كليتي الآداب والتربية. فإما أن تلتحق بقسم اللغة العربية وآدابها في كليّة الآداب، أو الشريعة وإما أن تلتحق بكلية التربية.


كان تخصص التربية واحداً من الفرص القليلة للتعليم العالي المتاحة أمامها. سلمى تكره التعليم ولا ترى نفسها معلّمة إطلاقا، فذلك أقلّ من طموحها. ومع ذلك، اختارت سلمى التربية عن غير حبّ. فقد كان أهون الشّرور.

سلمى الآن في سنتها الثّالثة في كلية التربية تخصّص لغة عربيّة. بالكاد تحصل على معدّل النّجاح في المقررات ولكنها تتطلع إلى التخرّج والحصول على وظيفة ثابتة في مدرسة قريبة من بيتها. كما تتطلّع إلى الرّاتب والعودة إلى المنزل عند الثانية من بعد ظهر كلّ يوم والعطلة الصيفية الطويلة.


سلمى نموذج يمثّل عشرات الآلاف من معلّمي اللغة العربية اليوم. معلّمون غير متقنين وغير معدّين إعدادا جيداً. هؤلاء المعلّمون، في الحقيقة، هم ضحايا لأنظمة تربوية وسياسات تعليمية لم تأخذ بيدهم ولم تحمِ مهنة تعليم اللغة العربية في الوطن العربي. لدى الوطن العربي الكثير من السياسات التربوية والقوانين التي تبقى غير منفّذة بشكل صحيح لأنها دون أسنان ودون شريحةِ منفّذين متمكّنين، وبالتالي، فإنّ نسبة فقر التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بحسب البنك الدولي، تصل إلى 62% ويُتوقع أن ترتفع هذه النسبة بعد جائحة كورونا. ويُعرَّف فقر التعلّم على أنه نسبة الطلاب ممّن هم في العاشرة من العمر ولا يستطيعون قراءة نصّ باللغة العربية من مستواهم الصّفي وفهمه.


أهمية إعداد معلّمي اللغة العربية إعداداً جيّداً

ًكيف نعكس هذه الظاهرة المخيفة المتمثّلة بأنظمة تعليمية يملؤها معلّمون فقيرو المهارات وقليلو الدافعية إلى معلّمين ملهمين؟ أظنّ أنّ الحلول ممكنة، وأنّ إعداد معلّمين ملهمين ومتمكّنين من مادتهم وبخاصة اللغة العربية العربية ممكن جدا ومهمّ جدا.


أهمية إعداد معلّمين أفذاذ في اللغة العربية تفوق بمراحل أهمية إعداد المهندسين والأطباء. فالمعلّم السيّء قادر وحده على أن يكسر قلوب الأطفال وأن يجعل الغبار تكسو عقولهم. المعلّم السيّء قادر وحده على جعل الأطفال والناشئة يكرهون اللغة العربية وثقافتها ورموزها وروحها، ومن يكره لغته وثقافته وروح لغته هو كاره لنفسه، والكاره لنفسه قنبلة أمراض موقوتة. والمحصّلة أنْ يرتمي أبناء العربية في أحضان لغات أخرى تحبّهم ولا تسخر منهم ولا تجعلهم يشعرون بأنّ إتقانها مستحيلٌ. والأطفال أبدا لا ينسون، ولا يغفرون. قد يصمتون ولكنهم أبدا لن ينسوا.

ماذا يمكننا أن نفعل؟

إعداد معلّم جيّد يحتاج "إلى قرية بأكملها"، تماما كما تربية الأطفال تحتاج "إلى قرية بأكملها". كيف نفعل ذلك؟ فلنعدّد الخطوات أدناه:


ما قبل إعداد معلّم اللغة العربية

1-   معايير القبول الجامعية: وضع السياسات التربوية (الصحيحة) المتعلّقة بمعايير القبول لبرامج إعداد معلّمي اللغة العربية. يتضمّن ذلك رفع معايير القبول إلى 80% بالمئة مثلا كمعدل للثانوية العامة، وعمل اختبارات شخصية ونفسية وأكاديمية للتأهل للقبول في برنامج إعداد معلمي اللغة العربية.


2-   تسويق المهنة: تسويق مهنة التعليم عموماً، وتسويق مهنة تعليم اللغة العربية خصوصاً. يتضمّن ذلك حملات مستمرّة على مستوى وزارات التربية العمل والإعلام والثقافة وهيئات الترفيه لتطويع الفكر الجماهيري فيما يتعلّق بمهنة تعليم اللغة العربية وإضفاء البريق على صورة معلّمي اللغة العربية في الإعلام. إضافة إلى التسويق للتعليم على أنه مهنة، وليس عملاً من الساعة الثامنة إلى الثانية ننفض يدنا منه بعد ذلك.


3-   ترخيص المعلّمين: وضع السياسات (الصحيحة) المتعلّقة بترخيص معلّمي اللغة العربية.


4-   معايير للقرن 21:وضع معايير لبرامج إعداد معلّمي اللغة العربية في القران 21.


5-   الموارد البشرية: وضع سياسات موارد بشرية تتعلّق بترقيات المعلّمين والتطوّر في السلّم الوظيفي المبني على الأداء، والتدريب والتطوير الذاتي المستمر.


أثناء إعداد معلّم اللغة العربية

1- برامج للمستقبل: مراجعة برامج إعداد المعلّمين، لتكون برامج تعدّ معلمي اللغة العربية للتعامل مع الحاضر والمستقبل وليس مع الماضي. تركّز برامج إعداد معلّمي اللغة العربية الناجعة والفعّألة على ثالوث:

أ) المحتوى ذي المعنى، وب) طرائق التدريس الحديثة وت) المعرفة الوثيقة بالمتعلّم من حيث تطوّر الأطفال والناشئة الجسدي والنفسي والإدراكي.


2- التربية العملية: جعل مكوّن التربية العملية ثلت برنامج إعداد المعلّمين، حيث يلتحقون منذ السنة الجامعية الأولى بمدارس جيدة الأداء يلاحظون فيها المعلمين المتمرّسين، ويبدؤون رحلتهم في التعليم منذ السنة الجامعة الأولى.


3- المعارف العامة: في الوطن العربي تحديداً وبسبب قدوم الطلاب عموماً إلى الجامعات بمهارات ومعارف هزيلة، فإننا نحتاج إلى بناء معارفهم العامة في التاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، والأدب، والثقافة، وعلم النفس، ومبادئ الصحة العامّة والتغذية. معظم هذه المعارف العامة التي يجب أن يأتي بها الطلاب من المدارس غير موجودة، وبالتالي تحتاج برامج إعداد المعلّمين إلى تأهيل الطلاب في هذا المجال.


4- أصول (إتيكيت) التواصل: مجال آخر نلحظ عدم تمكّن خريجي المرحلة الثانوية منه هو كلّ ما يتعلّق بمهارات أصول التواصل مع الآخر بلغة كيّسة، وبأسلوب لبق، مهني ولائق، مما يحتاج أن يضمّن كذلك في برامج إعداد المعلّمين من تدريب على الكتابة والتحدّث بمبدأ "لكلّ مقام مقال"، فلا يعقل مثلا أن أخاطب مديري بنفس اللغة والأسلوب الذي أستخدمه لمخاطبة صديقي أو ولي الأمر أو الطفل.


5- المظهر اللائق: يحتاج طلاب برامج إعداد اللغة العربية تدريبا يتعلّق بالمظهر الحسن واللائق، بدءاً من العناية بالصحة العامة والتغذية إلى الهندام والصّورة التي يعكسها معلّمو اللغة العربية لطلابهم والمجتمع عموماً.


6- لا بدّ من هواية: في المدارس الفعّالة والمؤثّرة (ما قبل المرحلة الجامعية) نلاحظ أنّ تعلّم هواية ما (العزف على آلة موسيقية، الغناء، الرياضة، لعب الشطرنج، تركيب الأحجيات من ألف قطعة في 3 ساعات، الخط العربي، النجارة، البرمجة وغيرها) تشكّل أساساً من أسس التعلّم الغائبة عن حياة غالبية الطلاب العرب. تعلّم أيّ هواية يجب أن يكون جزءا من إعداد معلّم اللغة العربية. المعلّم المشغول بتطوير ذاته وعلميا وإنسانيا هو معلّم ملهم ومؤثّر وبطل


ما بعد إعداد معلّم اللغة العربية

1- برامج دعم المعلّمين الجدد: فرض برامج الدعم المستمرّ للمعلمين الجدد في العامين الأوّلين من التحاقهم بالمدارس. يتضمّن برنامج الدّعم تدريبا وملاحظة مستمرتين والأخذ باليد من قبل مدرّبين متمكّنين يكونون بمثابة "مصاحبين" للمعلّمين الجدد.


2- التدريب المستمر: جعل التدريب المستمر والذكي للمعلّمبن الملتحقين بالمدارس خبزا يوميا وتوقعا مستمرا استمرار المعلّم في عمله.


3-- عادة التفكّر ومجتمع المعلّمين: وهو أن ينخرط المعلّمون في التفكّر منفردين وفي مجموعات بممارساتهم التعليمية بشكل دائم وفي إيجاد حلول مدروسة للتحديات التي يواجهها طلابهم.  

"ليس لدينا الكثير من الوقت الموارد لتضييعها عاما بعد آخر لنخرّج في كلّ مرّة أجيالا لا تتقن لغتها ولا تتقن مهارات التفكير وحلّ المشكلات والتفكّر ولا التواصل الرّاقي القادر على انتقاء الكلمة الصح للسياق الصح. اللغة حياة واقتصاد ومستقبل، والنتائج غير خافية على أحد ولا يمكن تجاهلها. ليت كلّ الجهات المسؤولة عن التعليم تعي ذلك."

للحكومات العربية ختاماً أقول: ليس لدينا الكثير من الوقت أو الموارد لتضييعها عاما بعد آخر لنخرّج في كلّ مرّة أجيالا لا تتقن لغتها ولا تتقن مهارات التفكير وحلّ المشكلات والتفكّر ولا التواصل الرّاقي القادر على انتقاء الكلمة الصح للسياق الصح. اللغة حياة واقتصاد ومستقبل، والنتائج غير خافية على أحد ولا يمكن تجاهلها. ليت كلّ الجهات المسؤولة عن التعليم تعي ذلك.

المعلّمون الجيّدون والملهمون أبطالٌ من أبطال طفولة أبنائنا وصباهم. للمعلّمين الجيدين والسيئين على السّواء "أثر يُرى ولا يزول"، فأيّ أثر نودّ أن نرى؟

هنادا طه تامير

أستاذة في اللغة العربية والعميد المساعد للبحوث والتطوير في كلية التربية، جامعة زايد.

تشغل الأستاذة الدكتورة هنادا طه-تامير حاليًا كرسي الأستاذية في اللغة العربية بالإضافة إلى كونها العميد المساعد للبحوث والتطوير في كلية التربية، جامعة زايد. تولت قبل ذلك منصب عميد كلية البحرين للمعلّمين بالإنابة في جامعة البحرين والعميد المشارك.